عماد الدين خليل

273

دراسة في السيرة

التبجيل والاحترام لتعاليم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ولأيدوه وساعدوه بأموالهم وأنفسهم حتى يحطم الأصنام ويقضي على العقائد الوثنية . . ويمضي ولفنسون إلى القول بأن هذه ( المسألة ) يجب ألا تغرب عن الأذهان لأنها أساس كل ما حدث بين اليهود وبين الرسول من خلاف ونزاع ، ولولا وجودها لما حدث شيء من الخلاف ، أو لكان في الإمكان أن يتلافى ما قد ينشأ من ذلك . ونلاحظ هنا على معظم المستشرقين أنهم أهملوا هذه النقطة الجوهرية في بحثهم عن أسباب الخلاف بين الرسول صلى اللّه عليه وسلم واليهود ، مع أنه مما لا شك فيه أنه إذا أهملت هذه النقطة فلا سبيل مطلقا للبحث في هذا الموضوع « 1 » . وفاتت ولفنسون حقيقة على درجة كبيرة من الأهمية تلك هي أن طبيعة الدعوة الإسلامية المنفتحة على العالم ، وانتماء نبيها إلى العرب ، وقيام دولتها في قلب المنطقة التي تتحرك فيها مصالح اليهود ونشاطاتهم المختلفة ، يشكل بحد ذاته خطرا كبيرا على اليهود في دينهم ودنياهم على السواء ، حتى لو لم يدعوا إلى الإسلام ، لأن نجاح الإسلام كفيل بحد ذاته بحصر اليهود وعزلتهم وكشفهم أمام العالم ، ومن ثم ضرب وجودهم ومصالحهم في الصميم ، الأمر الذي دفعهم ، بعد وقت قصير من إدراكهم أبعاد هذا الخطر ، إلى أن يقفوا إلى جانب الوثنية ويمتدحوا أصنامها بمواجهة التوحيد الذي جاء به الإسلام . . ومن ثم فإن ولفنسون يناقض نفسه عندما يشير إلى انغلاق العقلية اليهودية من جهة وسكوتها ، بل تعاونها - لو لم تدع إلى الإسلام - مع هذا الدين الذي جاء لكي ( يفضح ) المزاعم الدينية التحريفية التي مارسها اليهود طويلا ، ولكي ينفتح على الإنسان والعالم ويقضي في طريقه على أسطورة ( شعب اللّه المختار ) وما يتمخض عنها لصالح اليهود من مكاسب لا يحصيها عد « 2 » ! ! هذه هي الحقيقة ( النقطة الجوهرية ) في البحث عن أسباب الخلاف بين الرسول صلى اللّه عليه وسلم واليهود والتي إذا ما أهملت - دون غيرها - فلا سبيل مطلقا للبحث

--> ( 1 ) تاريخ اليهود في بلاد العرب ص 122 - 123 . ( 2 ) إن المكانة الدينية - العلمية التي كان اليهود يتمتعون بها جعلتهم - كما يقول دروزة - في مركز المعلم والمرشد والمرجع ، بل القاضي ، لسكان يثرب ، على ما تلهمه آيات قرآنية عدة ( انظر كتاب عصر النبي وبيثته للمؤلف المذكور ) فكان لليهود من ذلك الحرمة والحصانة والقوة النافذة والأثر في حل المشكلات وتعليل الحوادث والقضاء في الخصومات والاستمتاع بالكيان والمركز الممتاز ، وقد ارتبطوا بمواثيق الحلف مع جيرانهم العرب فكان هذا مما زاد مركزهم ورسوخ قدمهم قوة وشدة ( سيرة الرسول 2 / 122 - 123 ) .